محمد الخضر حسين.. مسيرة عالم زيتوني شرف مشيخة الأزهر الشريف
يُعد الشيخ محمد الخضر حسين قامة علمية وفكرية استثنائية؛ فهو العالم التونسي ذو الأصول الجزائرية والوحيد من غير المصريين الذي تقلد منصب مشيخة الأزهر الشريف. نشأ الشيخ في بيئة علمية صالحة؛ حيث وُلد عام 1876 بمدينة نفطة جنوبي تونس—الملقبة بـ “الكوفة الصغرى”—لأسرة عريقة؛ إذ كانت والدته تنتمي لعائلة “بن عزوز” الجزائرية المعروفة بالعلم الشرعي. وتأثر الخضر حسين بشكل بالغ بخاله الشيخ المكي بن عزوز، الذي كان مدرساً للحديث والفقه في الآستانة وبصم على تشكيل شخصيته الفكرية.
حفظ الشيخ القرآن الكريم في نفطة قبل أن تنتقل أسرته إلى تونس العاصمة عام 1887، ليلتحق بجامع الزيتونة عام 1889 ويتتلمذ على يد كبار علماء عصره، كالشيوخ سالم بوحاجب وعمر بن الشيخ ومحمد النجار. وتوج مساره العلمي بنيله شهادة “التطويع” عام 1898، ليتحول فوراً إلى التدريس والخطابة بالزيتونة. وفي عام 1904، أسس “السعادة العظمى”، وهي أول مجلة أدبية علمية عربية في تونس خُصصت لمواجهة الاستعمار الفرنسي ونشر قيم الإسلام.
تنقل الشيخ بين عدة وظائف ومسؤوليات؛ حيث تولى القضاء ببنزرت عام 1905، وشارك في تأسيس الجمعية الزيتونية عام 1907، كما درّس بالجمعية الخلدونية والمدرسة الصادقية عام 1908. وأمام مناهضته الجريئة للاحتلال الفرنسي ومواقفه المؤيدة للدولة العثمانية، تعرض لضغوطات كبيرة دففته للمغادرة نحو الآستانة عام 1911 ثم دمشق عام 1912 مدرساً بالمدرسة السلطانية. وعقب دخول الاحتلال الفرنسي لسوريا عام 1920، صَدَر بحقه حكم غيابي بالإعدام، مما أجبره على الهجرة النهائية نحو مصر.
وفي القاهرة، أثرى الشيخ الساحة الفكرية؛ إذ عمل بدار الكتب المصرية ونال الشهادة العالمية الأزهرية، ليدرّس بعدها في كلية أصول الدين لنحو 12 عاماً. وساهم الخضر حسين في تأسيس “جمعية الشبان المسلمين” عام 1927، وبرز اسمه بشكل لافت عقب إصداره كتاب “نقض كتاب في الشعر الجاهلي” رداً على الأديب طه حسين. وتوجت مسيرته العلمية والنضالية بتوليه مشيخة الأزهر الشريف عام 1952، ليظل صريحاً في مواقفه ومدافعاً عن الهوية الإسلامية واللغة العربية حتى وفاته بالقاهرة عام 1958.