جريدة إلكترونية تهتم بالأخبار الدبلوماسية

وعود الحملات الانتخابية بين شعبوية الخطاب وواقع الاقتصاد

 

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تتسابق بعض الأحزاب السياسية في تقديم وعود انتخابية تستهدف استمالة الناخبين، من خلال الحديث عن زيادات في الأجور، ومنح ودعم إضافي، وتحسينات مالية واجتماعية مختلفة.

غير أن السؤال الذي يفترض أن يرافق كل وعد انتخابي يظل حاضرًا بقوة: من سيتحمل تكلفة هذه الوعود؟

فالسياسة ليست مسابقة في توزيع الأمنيات، والاقتصاد ليس صندوقًا سحريًا يمكن اللجوء إليه كلما اقترب موعد الانتخابات. ومن غير المسؤول أن تتحول معاناة المواطنين وحاجتهم المشروعة إلى ورقة انتخابية تُستغل عبر وعود براقة، بينما تغيب الأرقام الدقيقة ومصادر التمويل وتقديرات الكلفة والآثار المحتملة على المالية العمومية والاستثمار والتشغيل.

الوعود الاقتصادية ليست مجانية

يحتاج الخطاب السياسي الجاد إلى قدر أكبر من الصراحة؛ فلا توجد في الاقتصاد أموال مجانية.

كل إنفاق عمومي يحتاج إلى تمويل، وكل زيادة في النفقات لها انعكاسات مباشرة أو غير مباشرة على الميزانية، وكل التزام مالي جديد يفترض أن يقابله مورد مستدام أو إصلاح اقتصادي قادر على توفير الموارد اللازمة.

أما تقديم الوعود وكأن موارد الدولة غير محدودة، فيمثل تبسيطًا مفرطًا لمعطيات اقتصادية معقدة، وقد يؤدي إلى خلق توقعات يصعب الوفاء بها لاحقًا.

والمواطن لا يحتاج إلى سياسي يعده بكل شيء، ثم يبحث بعد الانتخابات عن مبررات عدم التنفيذ. ما يحتاجه هو خطاب واضح يحدد الإمكانات المتاحة، والأولويات، وتكلفة الإصلاح، والنتائج التي يمكن تحقيقها على المدى القصير والمتوسط والطويل.

رفع الأجور بين الشعار والحساب الاقتصادي

يقدم الجدل المرتبط برفع الحد الأدنى للأجور مثالًا واضحًا على الفارق بين الجاذبية السياسية للوعود والتعقيدات الاقتصادية المرتبطة بتنفيذها.

فالحديث عن بلوغ حد أدنى مرتفع للأجور قد يكون جذابًا انتخابيًا، لكنه لا يمكن أن يناقش بمعزل عن إنتاجية العامل، وقدرة المقاولات على تحمل التكاليف، ومستوى التضخم، وتكلفة الإنتاج، والتنافسية، وحجم الاقتصاد غير المهيكل.

فالرفع غير المدروس لتكلفة اليد العاملة قد تكون له انعكاسات غير مرغوبة، خصوصًا على المقاولات الصغيرة وبعض القطاعات الصناعية والخدماتية التي تواجه منافسة قوية محليًا ودوليًا.

وقد يجد العامل نفسه أمام مفارقة تتمثل في ارتفاع الأجر الاسمي، مقابل ارتفاع تكلفة المعيشة أو تقلص بعض فرص الشغل.

لهذا، فإن قياس تحسن مستوى الدخل لا ينبغي أن يقتصر على الرقم المسجل في ورقة الأجرة، بل يجب أن يأخذ بعين الاعتبار القدرة الشرائية الحقيقية وما يستطيع المواطن اقتناءه بعد احتساب تكاليف السكن والنقل والغذاء والتعليم والخدمات الأساسية.

المشكلة تتجاوز الأجر

بدل الدخول في سباق الأرقام، يفترض أن ينفتح النقاش السياسي على الأسباب الأعمق التي تؤثر في القدرة الشرائية ومستوى المعيشة.

لماذا ترتفع كلفة السكن؟ وكيف يمكن تخفيف الأعباء التي يتحملها المواطن؟ ولماذا تواجه بعض المقاولات تعقيدات إدارية تؤثر في قدرتها على الاستثمار والتوظيف؟ وكيف يمكن تحويل الاستثمار العمومي بصورة أكبر إلى فرص عمل منتجة ومستدامة؟

هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تكون في صلب النقاش الانتخابي.

أما اختزال الأزمة الاجتماعية في رفع رقم الحد الأدنى للأجور فقط، فقد يعني معالجة جزء من الأعراض دون الاقتراب من الأسباب البنيوية التي تقف وراء ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف القدرة الشرائية.

الدولة الاجتماعية ليست مجرد توزيع للدعم

لا شك أن الحماية الاجتماعية ودعم الفئات الهشة يشكلان جزءًا أساسيًا من أي سياسة اجتماعية عادلة، لكن الدولة الاجتماعية لا ينبغي أن تختزل في توزيع المساعدات.

فالدولة القوية هي التي تتيح للمواطن فرص التعليم الجيد، والتكوين، والعمل المنتج، والاستقلال الاقتصادي، وتوفر له شروطًا تسمح ببناء مستقبل مستقر.

أما الدعم، فرغم أهميته في حالات معينة، فإنه لا يمكن أن يكون بديلًا دائمًا عن السياسات المنتجة للثروة وفرص العمل.

وإذا لم يرتبط الدعم بسياسات للإدماج الاقتصادي وتحسين التعليم والتكوين وتعزيز فرص التشغيل، فإنه قد يتحول إلى حل مؤقت يخفف آثار المشكلة دون معالجة جذورها.

أين الاستثمار والإنتاج والإصلاح؟

إذا كانت الأحزاب السياسية تريد فعلًا تحسين مستوى معيشة المغاربة، فإن برامجها الانتخابية يفترض أن تتناول بجدية ملفات الإنتاجية والاستثمار والتصنيع والتصدير والتعليم والتكوين المهني وتبسيط الإدارة وتحسين مناخ الأعمال ومحاربة الريع.

قد تكون هذه الملفات أقل جاذبية من الوعود المباشرة، لكنها أكثر أهمية في بناء اقتصاد قادر على خلق الثروة بصورة مستدامة.

فالاقتصاد القوي لا يقاس بكثرة الشعارات، وإنما بقدرته على إنتاج الشركات والوظائف والاستثمارات والابتكار والصادرات والقيمة المضافة.

ومن الصعب مطالبة المقاولة بالمزيد من التشغيل والاستثمار، في الوقت الذي تواجه فيه بعض الوحدات الاقتصادية تحديات مرتبطة بالإجراءات والتكاليف والتمويل والمنافسة.

لذلك، فإن دعم القطاع الخاص المنتج لا يعني التخلي عن الدور الاجتماعي للدولة، بل يمكن أن يكون جزءًا من بناء اقتصاد قادر على توفير موارد أكبر لتمويل السياسات الاجتماعية.

التعليم.. الاستثمار الذي لا يحتمل التأجيل

إذا كان هناك قطاع ينبغي أن يتجاوز الحسابات الانتخابية الضيقة، فهو التعليم.

فلا يمكن بناء اقتصاد تنافسي بتعليم غير قادر على مواكبة التحولات، ولا يمكن الاستعداد لمهن المستقبل بعقلية تعليمية لا تواكب التطور التكنولوجي، كما يصعب الحديث عن تكافؤ الفرص في ظل استمرار الفوارق في جودة التعليم والتكوين.

إصلاح التعليم ليس وعدًا انتخابيًا مؤقتًا، بل استثمار طويل الأمد في الإنسان وفي مستقبل الاقتصاد الوطني.

والإنفاق على تعليم جيد وتكوين علمي وتقني فعال قد تكون مردوديته أكبر بكثير من برامج الدعم المؤقتة، لأنه يمنح المواطن الأدوات التي تمكنه من إنتاج دخله وتعزيز استقلاله الاقتصادي.

المطلوب خفض كلفة الدولة لا زيادة أعباء المواطن

لا يتعلق الأمر فقط بزيادة الإنفاق العمومي، بل أيضًا برفع فعاليته ومردوديته.

فكل درهم من المال العام يفترض أن يخضع لسؤال واضح: ما أثره؟ وما مردوديته؟ وهل يمكن تحقيق النتيجة نفسها بكلفة أقل وبطريقة أكثر فعالية؟

إن ترشيد النفقات، ومحاربة الهدر، وتبسيط الإدارة، ورقمنة المساطر، وتحسين الحكامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والحد من تضارب المصالح والريع، كلها إجراءات يمكن أن تساهم في تحسين استخدام الموارد العمومية.

والهدف ليس بالضرورة تقليص دور الدولة، وإنما جعل الإنفاق العمومي أكثر كفاءة وارتباطًا بالنتائج.

الناخب المغربي لا يحتاج إلى بيع الأحلام

من أخطر مظاهر الخطاب الشعبوي افتراض أن المواطن لا يريد سوى زيادة في الأجر أو دعم مالي مباشر.

فالناخب المغربي لديه مطالب أوسع وأكثر عمقًا: مستشفى يحفظ كرامته، ومدرسة تمنح أبناءه فرصة حقيقية، وإدارة تحترم وقته، وقضاء فعال، ونقل لائق، وفرصة عمل، وأجر يوفر له مستوى معيشة كريمًا، وبيئة اقتصادية تسمح له ببناء مستقبله.

ومن هنا، فإن البرنامج الانتخابي الجاد لا ينبغي أن يكتفي بعرض الوعود، بل عليه أن يشرح آليات تنفيذها، وتكلفتها، ومصادر تمويلها، والمدة الزمنية اللازمة لتحقيقها.

الصراحة السياسية ضرورة

قد يكون من السهل سياسيًا القول: سنرفع الأجور، ونزيد الدعم، ونخفض الأسعار، ونخلق فرص العمل، ونوسع الخدمات.

لكن الاختبار الحقيقي للخطاب السياسي يبدأ عندما يجيب صاحبه عن الأسئلة الأصعب: كم سيكلف هذا البرنامج؟ ومن أين ستأتي موارده؟ وما الإصلاحات الضرورية لتمويله؟ وما آثاره المحتملة على الميزانية والاستثمار والتشغيل؟

هنا تبدأ السياسة المسؤولة.

أما تحويل الانتخابات إلى موسم للوعود، واستثمار الضغوط الاجتماعية في صناعة خطاب عاطفي، فلن يكون كافيًا لبناء اقتصاد قوي أو دولة أكثر قدرة على مواجهة التحديات.

المغرب يحتاج إلى مشروع لا إلى مزاد انتخابي

شهد المغرب خلال العقود الماضية تحولات اقتصادية وبنيوية مهمة، غير أن حجم التحديات المقبلة يفرض الانتقال من تدبير الحاضر إلى بناء المستقبل.

فالتكنولوجيا تعيد تشكيل سوق العمل، والمنافسة الدولية تتزايد، والطاقة والمياه وسلاسل الإنتاج أصبحت عناصر استراتيجية، فيما يفرض التحول الديمغرافي والهجرة وتطور المهارات تحديات جديدة على الاقتصاد والمجتمع.

وفي ظل هذه التحولات، لا يمكن أن تكون الإجابة مجرد حزمة جديدة من الوعود الانتخابية.

المطلوب هو مشروع اقتصادي واضح يقوم على الإنتاج والاستثمار والتعليم والابتكار والعدالة الاجتماعية، ويمنح المقاولة المنتجة مجالًا للنمو، ويجعل الإدارة شريكًا في التنمية بدل أن تكون عائقًا أمامها.

وفي المقابل، يحتاج المجتمع نفسه إلى خطاب سياسي أكثر جرأة وواقعية؛ خطاب يوضح أن بناء دولة قوية لا يقوم فقط على المطالب، وإنما يحتاج أيضًا إلى العمل والإنتاج وحسن تدبير الموارد واحترام المال العام.

لقد آن الأوان للخروج من سوق الوعود الانتخابية، والانتقال إلى منافسة حقيقية حول البرامج والمشاريع والنتائج.

فالمواطن المغربي لا يحتاج إلى سياسي يبيع له الوهم، ولا إلى برامج مليئة بالأرقام الجذابة دون توضيح مصادر تمويلها.

وأخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الانتخابات إلى منافسة حول من يقدم الوعد الأكبر، بدل أن تكون منافسة حول من يملك المشروع الأكثر واقعية وقابلية للتنفيذ.

فالانتخابات ليست موسمًا لشراء الرضا بالوعود، والمال العام ليس ملكًا للأحزاب، والاقتصاد لا يخضع لمنطق التصفيق.

ومن أراد أن يطلب ثقة المواطن، فعليه أن يمتلك الشجاعة ليشرح له الحقيقة كاملة، حتى عندما تكون هذه الحقيقة صعبة.

المغرب لا يحتاج إلى مزيد من الوعود التي تستهلك المستقبل، بل إلى قرارات ومشاريع قادرة على صناعة المستقبل.