جريدة إلكترونية تهتم بالأخبار الدبلوماسية

حزب الاستقلال بين إرث علال الفاسي وأسئلة الحاضر.. عندما يصبح التاريخ مرآة للمستقبل

بقلم: الأستاذ محمد عيدني

يصعب الحديث عن حزب الاستقلال دون استحضار واحدة من أكثر المراحل حساسية في التاريخ السياسي المغربي. فالحزب لم يولد في سياق عادي، بل خرج من رحم الحركة الوطنية، وارتبط اسمه بمحطة مفصلية تمثلت في تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944، وهي الوثيقة التي ارتبطت بقيادة الزعيم علال الفاسي.

كان الاستقلاليون الأوائل يتحركون في زمن كانت فيه السياسة تعني التضحية، والانتماء يعني تحمل الاعتقال والنفي والملاحقة، والوطنية لم تكن مجرد شعار انتخابي أو وسيلة للوصول إلى موقع سياسي.

كانت المعركة الأساسية آنذاك هي تحرير الوطن واستعادة السيادة، في إطار نضال سياسي وفكري وتنظيمي طويل، تداخل مع المقاومة الشعبية، من أجل إنهاء نظام الحماية واستعادة القرار الوطني.

وفي قلب تلك المرحلة، برز علال الفاسي باعتباره أحد أبرز رموز الحركة الوطنية، وظل رئيساً لحزب الاستقلال إلى وفاته سنة 1974، كما ترك من خلال مواقفه السياسية والفكرية أثراً بارزاً في تاريخ الحزب والحياة السياسية المغربية.

لكن التاريخ، مهما كانت أهميته، لا يمكن أن يعيش على الذكريات وحدها.

فالسؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كان حزب الاستقلال قد لعب دوراً وطنياً في مرحلة التأسيس، فهذا جزء موثق من التاريخ المغربي، وإنما السؤال الأكثر إلحاحاً هو: إلى أي حد استطاع الحزب الحفاظ على القيم والروح السياسية التي تأسس عليها؟

هنا تبدأ المسافة بين الأمس واليوم.

كان جيل علال الفاسي ينظر إلى الحزب باعتباره مدرسة سياسية وفكرية، وكان الانتماء إليه مرتبطاً بمشروع وطني يتجاوز الحسابات الشخصية والانتخابية. أما اليوم، فقد أصبح النقاش حول الحزب يرتبط بدرجة أكبر بأدائه السياسي والتنظيمي، وقدرته على تجديد خطابه واستعادة الثقة وإقناع المواطن بامتلاكه مشروعاً واضحاً يتجاوز تدبير المواقع والمناصب.

ولا يعني ذلك أن الحزب فقد امتداده التاريخي أو أن مناضليه تخلوا عن مرجعيته؛ فحزب الاستقلال ما يزال يقدم نفسه باعتباره امتداداً للحركة الوطنية، ويؤكد في خطابه على أهمية تقوية التنظيم وتعزيز الثقة داخل البيت الاستقلالي وخدمة الوطن والمواطن.

غير أن استحضار الإرث التاريخي وحده لا يكفي.

فالسياسة لا تُقاس فقط بما تركه المؤسسون، وإنما أيضاً بما يفعله اللاحقون بهذا الإرث. واسم علال الفاسي لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد صورة تاريخية أو ذكرى تستحضر في المناسبات، بينما يبقى السؤال الحقيقي متعلقاً بمضمون المشروع السياسي، وعلاقة الحزب بالمجتمع، وقدرته على إنتاج نخب جديدة تحمل أفكاراً ومشاريع، وليس فقط طموحات انتخابية.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة العبارة المتداولة حول أن «أنصار علال الفاسي لم يبق منهم أحد» ليس باعتبارها حقيقة حرفية، وإنما باعتبارها سؤالاً سياسياً ورمزياً حول مصير المدرسة الاستقلالية، وما إذا كانت لا تزال قادرة على إنتاج ذلك النوع من الالتزام السياسي والفكري الذي ميز مرحلة التأسيس.

لقد تغير المغرب، وتغير المجتمع، وتبدلت أولويات المواطنين، كما تغيرت طبيعة الصراع السياسي. ولذلك لا يمكن لأي حزب، مهما كان تاريخه ومكانته، أن يعتمد على شرعية الماضي وحدها.

ويجد حزب الاستقلال نفسه، بهذا المعنى، أمام امتحان مزدوج: الحفاظ على ذاكرته التاريخية من جهة، وإثبات قدرته على تقديم أجوبة جديدة للمغرب المعاصر من جهة أخرى.

فالوفاء لإرث علال الفاسي لا يتحقق فقط باستحضار اسمه، وإنما بإعادة الاعتبار للسياسة باعتبارها فكرة ومشروعاً، وبإعطاء المناضل والمواطن مكانتهما، وببناء علاقة أكثر قرباً من المجتمع وانتظاراته.

كما أن ذكرى 11 يناير 1944 لا ينبغي أن تتحول إلى مناسبة احتفالية فقط، بل يمكن أن تكون فرصة لاستحضار درس تاريخي أساسي: عندما يرتبط العمل السياسي بمشروع واضح وإرادة جماعية، فإنه يستطيع أن يتحول إلى قوة قادرة على صناعة التحولات.

وبعد عقود من تلك المرحلة، يبقى السؤال مفتوحاً أمام الاستقلاليين: هل يستطيع حزب الاستقلال أن يجدد نفسه من داخل مرجعيته، وأن يعيد بناء الثقة مع المواطن، وأن يحول إرث علال الفاسي من ذاكرة تاريخية إلى مشروع سياسي معاصر؟

ذلك هو التحدي الحقيقي.

فالأحزاب لا تفقد حضورها بمجرد تغير قياداتها، وإنما تبدأ أزمتها عندما تنقطع الصلة بين تاريخها وحاضرها، وبين خطابها وممارستها، وبين ما تقدمه للمواطن وما ينتظره منها.

وبحكم تاريخه ومكانته في الذاكرة السياسية والوطنية للمغرب، يبدو أن حزب الاستقلال مطالب أكثر من غيره بالتفاعل مع هذه الأسئلة، ليس دفاعاً عن الماضي فحسب، وإنما بحثاً عن صيغة تجعل من ذلك الماضي رصيداً لبناء المستقبل.