مليارات الدراهم في صناديق عمومية دون صرفها.. منح الخليج وصندوق كوفيد والمبادرة المقاولاتية في الواجهة
كشفت معطيات التقرير المرفق بمشروع قانون المالية لسنة 2027 عن استمرار تراكم أرصدة مالية مهمة في عدد من الحسابات الخصوصية للخزينة، مقابل تسجيل نفقات محدودة أو منعدمة في بعضها، ما يسلط الضوء على الفجوة بين الموارد المتاحة ومستويات الإنفاق الفعلي.
وتُظهر البيانات أن خمسة صناديق وحسابات مالية تحتفظ بأرصدة مرحّلة تناهز 24,7 مليار درهم، وفق احتساب يستند إلى الأرقام الواردة في التقرير، فيما سجلت بعض الصناديق انقطاعا تاما في النفقات خلال سنتي 2024 و2025، رغم استمرار توفرها على موارد مالية مهمة.
وتشمل هذه الحسابات صندوق دعم تمويل المبادرة المقاولاتية، وصندوق تضامن مؤسسات التأمين، والصندوق الخاص بتدبير جائحة كوفيد-19، وصندوق تدبير المخاطر المرتبطة باقتراضات الغير غير المضمونة من طرف الدولة، إلى جانب الحساب الخاص بمنح دول مجلس التعاون الخليجي.
كما تمتد هذه الوضعية إلى حسابات أخرى، من بينها صندوق الإصلاح الزراعي وصندوق الصيد البري والصيد في المياه الداخلية، فضلا عن الصندوق الوطني لدعم البحث العلمي والتنمية التكنولوجية، الذي عرف تراجعا ملحوظا في نفقاته خلال سنة 2025.
وفي الوقت الذي يقدم فيه التقرير بيانات تفصيلية بشأن الموارد والنفقات، لا تتضمن المعطيات المتعلقة ببعض الحسابات توضيحات كافية بشأن أسباب محدودية الإنفاق أو الآجال المحددة لاستخدام الأرصدة المتراكمة.
صندوق كوفيد-19 يحتفظ بأكثر من 2,2 مليار درهم
أظهرت المعطيات المالية استمرار احتفاظ الصندوق الخاص بتدبير جائحة كوفيد-19 برصيد يناهز 2,21 مليار درهم مع نهاية سنة 2025، في ظل تراجع نفقاته بشكل كبير مقارنة بالسنوات السابقة.
وبلغت موارد الصندوق 3,35 مليارات درهم سنة 2023، قبل أن تنخفض إلى نحو 2,28 مليار درهم سنة 2024، ثم تستقر عند 2,29 مليار درهم خلال سنة 2025.
وفي المقابل، تراجعت النفقات من أكثر من 1,07 مليار درهم سنة 2023 إلى 70 ألف درهم فقط سنة 2024، قبل أن ترتفع إلى 83,5 مليون درهم سنة 2025.
وتبرز هذه الأرقام استمرار وجود رصيد مالي مهم بالحساب، مقابل نفقات محدودة خلال السنتين الأخيرتين، دون أن يقدم التقرير توضيحات تفصيلية بشأن الاستخدامات المتبقية لهذه الأموال أو أسباب استمرار الاحتفاظ بها.
صندوق المبادرة المقاولاتية دون نفقات لسنتين
يسجل صندوق دعم تمويل المبادرة المقاولاتية بدوره وضعية لافتة، بعدما توقف عن تسجيل النفقات خلال سنتي 2024 و2025، رغم أن الغاية من إحداثه تتمثل في تسهيل حصول الشباب حاملي المشاريع والمقاولات الصغيرة جدا على التمويل.
وأُحدث الصندوق بموجب المادة 15 من قانون المالية لسنة 2020، برأسمال إجمالي مستهدف يبلغ 8 مليارات درهم، موزعة بين مساهمة الميزانية العامة بثلاثة مليارات درهم، والقطاع البنكي بثلاثة مليارات درهم، وصندوق الحسن الثاني لدعم العالم القروي بملياري درهم.
وبحسب التقرير، بلغت موارد الصندوق، بما فيها الرصيد المرحّل، نحو 5,50 مليارات درهم سنة 2023، قبل أن تتراجع إلى 3,27 مليارات درهم سنة 2024، لتستقر عند المستوى نفسه خلال سنة 2025.
وفي المقابل، سجل الصندوق نفقات بقيمة 2,22 مليار درهم سنة 2023، دون تسجيل أي نفقات خلال السنتين المواليتين.
وتعتمد آلية التمويل المرتبطة بهذا الصندوق على منتجات ضمان تقدمها الشركة الوطنية للضمان وتمويل المقاولة، من بينها «ضمان انطلاق» و«ضمان انطلاق المستثمر القروي» و«Start-TPE»، الذي يتيح قروضا دون فوائد أو ضمانات، تسدد في أجل أقصاه خمس سنوات.
وفي سياق متصل، أورد التقرير حصيلة برنامج «انطلاقة» إلى غاية النصف الأول من سنة 2026، تشير إلى منح نحو 45.150 قرضا بقيمة إجمالية بلغت 11,4 مليار درهم، لفائدة 35.952 مقاولة، مع التزامات مالية ناهزت 9,1 مليارات درهم.
كما تضمن التقرير مؤشرات مرتبطة بفرص الشغل والمخصصات المحولة إلى البنوك، غير أن بعض الأرقام الواردة بشأن مناصب الشغل لا يتضح ارتباطها الدقيق بالمؤشرات الأخرى المعروضة.
صندوق تضامن مؤسسات التأمين.. موارد بمليارات الدراهم دون إنفاق
لم يسجل صندوق تضامن مؤسسات التأمين أي نفقات خلال سنتي 2024 و2025، رغم توفره على موارد مالية مهمة، شملت موارد جديدة خلال السنة الأخيرة.
ويُعنى الصندوق بمساعدة شركات التأمين التي تواجه اختلالات مالية، وتقديم إعانات للمقاولات الموجودة في طور التصفية، فضلا عن التدخل في حالات التحويل الإجباري لمحافظ عقود التأمين إلى شركات أخرى.
وتتكون موارده من حصة من الرسوم المفروضة على عقود التأمين، ومساهمات شركات التأمين وإعادة التأمين والرسملة، إلى جانب فائض الموجودات الناتج عن تصفية هذه المقاولات.
وبلغت موارد الصندوق نحو 7,93 مليارات درهم سنة 2023، قبل أن تنخفض إلى 4,22 مليارات درهم سنة 2024، ثم ترتفع إلى 5,01 مليارات درهم سنة 2025.
أما النفقات، فقد بلغت 4,5 مليارات درهم سنة 2023، لتتوقف بشكل كامل خلال السنتين المواليتين. كما بلغت الموارد الذاتية للصندوق نحو 796 مليون درهم سنة 2025، دون تسجيل أي إنفاق خلال السنة نفسها.
صندوق المخاطر.. موارد تتجاوز 4,79 مليارات درهم
في السياق ذاته، سجل صندوق تدبير المخاطر المتعلقة باقتراضات الغير غير المضمونة من طرف الدولة موارد بلغت نحو 4,79 مليارات درهم سنة 2025، مقابل نفقات لم تتجاوز 140 ألف درهم.
وارتفعت موارد هذا الحساب من 4,50 مليارات درهم سنة 2023 إلى 4,60 مليارات درهم سنة 2024، لتصل إلى 4,79 مليارات درهم خلال السنة الماضية، بزيادة سنوية متوسطة تقارب 3,12 في المائة.
وفي المقابل، تراجعت النفقات من 1,51 مليون درهم سنة 2023 إلى 680 ألف درهم سنة 2024، قبل أن تنخفض إلى 140 ألف درهم سنة 2025.
وتعكس هذه الأرقام اتساع الفارق بين الموارد المتاحة والنفقات المسجلة، في ظل غياب توضيحات إضافية في التقرير بشأن أسباب هذا التراجع في الإنفاق أو طبيعة الالتزامات المرتبطة بالرصيد المتراكم.
منح دول الخليج.. أكثر من 9,4 مليارات درهم في الرصيد المرحّل
بلغ الرصيد المرحّل للحساب الخاص بمنح دول مجلس التعاون الخليجي نحو 9,417 مليارات درهم في نهاية سنة 2025، رغم تسجيل نفقات سنوية خلال الفترة الممتدة من 2023 إلى 2025.
وتراجعت موارد الحساب من 11,56 مليار درهم سنة 2023 إلى 10,73 مليارات درهم سنة 2024، ثم إلى 10,08 مليارات درهم سنة 2025. وفي المقابل، بلغت النفقات 828 مليون درهم سنة 2023، و655 مليون درهم سنة 2024، قبل أن ترتفع إلى 665 مليون درهم خلال السنة الماضية.
وبحسب التقرير، فإن النفقات المرتبطة بهذه المنح جرى الالتزام بها بالكامل، مع عرض توزيع التمويلات حسب القطاعات إلى غاية نهاية مارس 2026.
واستحوذت القطاعات الاجتماعية على 57 في المائة من التمويلات، توزعت بين التربية والتكوين المهني والصحة، التي استأثرت بـ61 في المائة من مخصصات هذه القطاعات، والسكن الاجتماعي بنسبة 21 في المائة، والتنمية الاجتماعية بنسبة 18 في المائة.
أما البنيات التحتية، فبلغت حصتها 33 في المائة من التمويلات، استحوذ قطاع النقل على 68 في المائة منها، مقابل 17 في المائة للسدود، و15 في المائة لمشاريع الماء الصالح للشرب والكهرباء والتطهير.
في المقابل، لم تتجاوز حصة القطاعات الإنتاجية 10 في المائة، خُصص 86 في المائة منها للمشاريع الفلاحية، و14 في المائة لقطاع الصيد البحري.
وعلى مستوى السحوبات، أشار التقرير إلى سحب كامل المبلغ المخصص للمنحتين الكويتية والقطرية، بقيمة 1,25 مليار دولار لكل منهما، فيما بلغت السحوبات من المنحة الإماراتية 1,235 مليار دولار، ومن المنحة السعودية 1,19 مليار دولار.
ومن المرتقب صرف المبلغ المتبقي، البالغ 65 مليون دولار، خلال سنوات 2027 و2028 و2029، وفق تقدم المشاريع، مع إمكانية إعادة تخصيص الأرصدة المتبقية للمشاريع المنجزة.
صندوق الإصلاح الزراعي.. نفقات لا تتجاوز 50 ألف درهم
أظهرت بيانات صندوق الإصلاح الزراعي استمرار استقرار موارده عند مستويات تقارب 748 مليون درهم سنويا، مقابل نفقات محدودة للغاية.
وبلغت موارد الصندوق 746,75 مليون درهم سنة 2023، و747,52 مليون درهم سنة 2024، ثم 747,78 مليون درهم سنة 2025.
في المقابل، لم يسجل الصندوق أي نفقات سنة 2023، بينما بلغت مصروفاته 110 آلاف درهم سنة 2024، قبل أن تتراجع إلى 50 ألف درهم فقط خلال سنة 2025.
وتشمل الاستخدامات المحددة لهذا الحساب تسوية التعويضات المرتبطة بنزع الملكية في إطار قانون الاستثمارات الفلاحية، وأداء الديون العقارية المضمونة برهون على عقارات تابعة لأملاك الدولة، فضلا عن التسديدات المستحقة في إطار الإصلاح الزراعي والأحكام القضائية والإدارية.
صندوق الصيد البري.. ارتفاع الموارد وتوقف النفقات
سجل صندوق الصيد البري والصيد في المياه الداخلية نموا متواصلا في موارده خلال السنوات الثلاث الأخيرة، مقابل توقف النفقات سنة 2025.
وانتقلت موارد الصندوق من 359,84 مليون درهم سنة 2023 إلى 380,74 مليون درهم سنة 2024، ثم إلى 406,47 ملايين درهم سنة 2025.
وفي المقابل، بلغت النفقات 30 مليون درهم خلال كل من سنتي 2023 و2024، قبل أن تنعدم خلال السنة الماضية.
ورغم ذلك، يعرض التقرير مؤشرات عن نشاط القنص والصيد خلال موسم 2024-2025، إذ سجلت الوكالة الوطنية للمياه والغابات 1.639 عملية كراء لحق القنص على مساحة تناهز 4,2 ملايين هكتار، مع استقطاب أكثر من 66 ألف قناص، وتحقيق مداخيل بلغت 58,54 مليون درهم، بزيادة قدرها 7,19 في المائة مقارنة بالموسم السابق.
كما شهدت الشراكة مع الجامعة الملكية المغربية للقنص تنفيذ إجراءات بتمويل بلغ خمسة ملايين درهم، ساهمت الوكالة منها بثلاثة ملايين درهم.
وفي مجال الصيد في المياه الداخلية، أشار التقرير إلى استزراع أكثر من 26,7 مليون من صغار الأسماك، ومنح 2.453 رخصة للصيد الرياضي.
البحث العلمي.. تراجع النفقات إلى 15,53 مليون درهم
امتد تراجع الإنفاق إلى الصندوق الوطني لدعم البحث العلمي والتنمية التكنولوجية، الذي انخفضت نفقاته من 100,64 مليون درهم سنة 2023 إلى 72,75 مليون درهم سنة 2024، ثم إلى 15,53 مليون درهم سنة 2025.
وفي المقابل، بلغت موارده 483,91 مليون درهم سنة 2023، قبل أن تتراجع إلى 458,76 مليون درهم سنة 2024، ثم ترتفع إلى 464,68 مليون درهم خلال السنة الماضية.
وتشمل مجالات تدخل الصندوق تمويل الاشتراكات في المصادر الإلكترونية للمركز الوطني للبحث العلمي والتقني، ومنح التميز لفائدة طلبة الدكتوراه، فضلا عن دعم التعاون العلمي مع قطر وكندا.
وتعيد هذه المعطيات إبراز التفاوت المسجل بين الموارد المالية المتاحة ومستويات الإنفاق في عدد من الحسابات الخصوصية للخزينة، في انتظار توضيحات إضافية بشأن وتيرة تنفيذ البرامج الممولة بهذه الاعتمادات، والآجال المحددة لاستخدام الأرصدة المتبقية.