تدبير الغنيمة بدل تدبير الشان العام حقيقة الأحزاب الفاشلة
بقلم الكاتب الصحافي عبدالله العبادي
المختص في الشؤون العربية والإفريقية
لم يعد السؤال اليوم، هل فشلت الأحزاب السياسية في تدبير الشأن العام؟ بل أصبح السؤال الأكثر دقة، هل كان هدف الأحزاب تدبير الشأن العام؟ إذ أن المتتبع لمسار العديد من الأحزاب، وخاصة تلك التي عمرت طويلا في الحكومة والمعارضة، يكتشف حقيقة أننا لا نعيش أزمة كفاءات، بل أزمة عقيدة، عقيدة تحول فيها الحزب من أداة لخدمة المجتمع إلى شركة مساهمة لتدبير الغنيمة.
في الأصل، الحزب السياسي فكرة ومشروع مجتمعي، وتنظيم يؤطر المواطنين. لكن فساده يعني تحوله لثلاث معيقات، حزب عائلي، حين تصير التزكية الانتخابية لا تمنح لمناضل، بل لابن وصهر فلان، مقاعد البرلمان تورث، وقيادة الجماعات تقسم بين الأبناء والأقارب، في هذه الحالة لم يعد الحزب ينتج أفكارا، بل ينتج أعيانا جددا.
ثانيا، إنتاج مكاتب صفقات، فالهدف من دخول الحكومة أو تسيير جماعة ترابية ليس تنزيل برنامج، بل ضمان مقعد في لجنة الصفقات، وتوزيع الرخص، والتحكم في تفويت الأراضي.حين يصبح الوزير لا يسأل، ماذا سأصلح؟ بل يسأل كم ميزانية وزارتي؟ الرئيس لا يسأل عن مخطط التنمية، بل عن عدد التوظيفات المباشرة التي يمكنه توزيعها.
ثالثا، الهروب من المتابعة والحساب، إذ أن الانتماء الحزبي أصبح في بعض الحالات تأمينا ضد المحاسبة. الفاسد يحتمي بحزبه، والحزب يحمي فاسده لأنه يمول الحملة القادمة. وهكذا تتكون دائرة مغلقة من فساد يمول الحزب، وحزب يحمي الفساد.
المواطن الذي يرى أن الحزب الذي رفع شعار محاربة الفساد، هو أول من يوزع التزكيات على تجار الانتخابات، وحين يرى أن الحزب الذي تحدث عن العدالة الاجتماعية، هو من يصوت على الريع لأعضائه، فإنه لا يقاطع ذلك الحزب فقط، بل يقاطع السياسة كلها.
وهنا الخطر الأكبر، فتدبير الغنيمة لا يقتل الحزب الفاسد وحده، بل يقتل الثقة في كل الأحزاب، حتى الجادة منها. ويفتح الباب أمام مقولة خطيرة: كلهم بحال بحال، وهي المقولة التي تخدم الفاسدين أكثر من أي شيء آخر.
لا يمكن إصلاح أحزاب الغنيمة من داخلها، لأن من يستفيد من الريع لن يلغي الريع، بل تحتاج الأحزاب الى عمليات جراحية من طرف الدولة.
لمحاربة فساد الأحزاب يجب ربط المسؤولية بالمحاسبة لكي يرى المواطن رؤساء جماعات وبرلمانيين ووزراء فاسدين يحاكمون ويمنعون من الترشح، حتى لا يعاد تدويرهم في حزب آخر. كما أن التمويل العمومي للأحزاب يجب أن يكون له علاقة بالديمقراطية الداخلية وعدد المنخرطين الحقيقيين، وليس بعدد المقاعد التي تم شراؤها. ويجب نشر لوائح المستفيدين من تزكيات الأحزاب ومصادر تمويل الحملات.
فالمغرب لا يحتاج إلى أحزاب جديدة بنفس الوجوه القديمة، يحتاج إلى جيل يفهم أن السياسة ليست طريقا للاغتناء، بل هي خدمة عمومية مؤقتة ومحاسبة دائمة.