المغاربة اليهود والانتخابات.. مواقف فردية لا تختزل خيارات الطائفة
ذيثير حضور المواطنين المغاربة اليهود في المشهد السياسي والانتخابي من حين إلى آخر نقاشاً حول مدى إمكانية اعتبار مواقف بعض الأفراد تعبيراً عن توجهات الطائفة اليهودية المغربية ككل، في وقت يؤكد فيه تاريخ هذه الطائفة وتنوع اختيارات أفرادها أن الانتماء الديني لا يعني بالضرورة توحّد المواقف السياسية.
ويحذر متابعون من تقديم مواقف فردية صادرة عن مواطنين مغاربة يهود باعتبارها مواقف جماعية تمثل عموم الطائفة، خصوصاً في ما يتعلق بالمشاركة الانتخابية أو الاختيارات الحزبية، باعتبار أن هذه القرارات تظل، من حيث المبدأ، شأناً فردياً يخص كل مواطن.
من يمثل الطائفة اليهودية المغربية؟
تتوفر الطائفة اليهودية المغربية على مؤسسات تمثيلية تعود جذورها إلى عقود طويلة، فيما أصبحت اليوم مؤطرة ضمن مجلس الطوائف اليهودية المغربية، الذي يتولى التعبير عن مصالحها في القضايا المرتبطة بتدبير شؤونها.
وعلى المستوى الديني، تتمتع الطائفة بهياكل خاصة بها، تحت المسؤولية الدينية والروحية للحاخام الأكبر للمغرب، في إطار الخصوصية التي تحظى بها الممارسة الدينية اليهودية بالمملكة.
وتشمل هذه الخصوصية جوانب متعددة من الحياة الدينية والاجتماعية، من بينها الأحوال الشخصية، والتوثيق العبري، والقضاء العبري في النزاعات داخل الطوائف، إلى جانب تنظيم الذبح وفق القواعد اليهودية، وإدارة دور العبادة والأعياد الدينية الخاصة بالمواطنين المغاربة اليهود.
وفي سنة 2022، شهد الإطار القانوني المنظم للطائفة مستجدات مهمة، من خلال إقرار إعادة تنظيمها في إطار “المجلس الوطني للطائفة اليهودية المغربية”، الذي يتكون من 24 عضواً، نصفهم يعين بظهير ملكي باقتراح من وزير الداخلية، بينما ينتخب النصف الآخر من طرف أفراد الطائفة عبر دوائر انتخابية جهوية.
ويتولى المجلس، وفق الإطار المنظم له، تدبير شؤون الطائفة وتنسيقها وطنياً، وتعزيز ارتباط المواطنين المغاربة اليهود المقيمين بالخارج ببلدهم الأصلي، فضلاً عن صيانة التراث اليهودي المغربي وتثمينه وتعزيز إشعاعه الثقافي والديني داخل المغرب وخارجه.
وإلى حين تنظيم الانتخابات الخاصة بإعادة تشكيل المجلس، يظل مجلس الطوائف اليهودية المغربية الإطار التمثيلي المعني بتدبير شؤون الطائفة، فيما يتولى أمينه العام، سيرج بيرديغو، التعبير عن مواقف المؤسسة في القضايا التي تدخل ضمن اختصاصها.
أما الاختيارات الحزبية والانتخابية، فلا تصدر عن المؤسسة باعتبارها قرارات جماعية للطائفة، وإنما تظل خيارات شخصية لكل مواطن، شأنها في ذلك شأن باقي المواطنين المغاربة.
الانتخابات.. بين الموقف الفردي والموقف الجماعي
عاد الجدل أخيراً حول ما نسب إلى “الطائفة المغربية اليهودية” بشأن حث أفرادها على المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة دون اصطفاف حزبي.
غير أن التمييز بين المؤسسة التمثيلية والمواقف الفردية يظل ضرورياً، إذ إن دعوة بعض المواطنين إلى المشاركة السياسية لا يمكن تلقائياً تقديمها باعتبارها موقفاً صادراً عن الطائفة بأكملها.
كما أن التحولات الديمغرافية التي عرفتها الطائفة اليهودية المغربية خلال العقود الماضية تجعل المشهد الانتخابي الحالي مختلفاً بشكل كبير عن الماضي.
فخلال ستينيات القرن الماضي، كان عدد المواطنين المغاربة اليهود يناهز 350 ألف شخص من مجموع سكان المغرب آنذاك، بينما يعيش اليوم غالبية أفراد الطائفة ضمن الجالية المغربية المقيمة بالخارج، التي تضم مغاربة من مختلف الديانات.
أما عدد المغاربة اليهود المقيمين داخل المملكة فيقدر ببضعة آلاف، وهو ما يجعل الحضور الانتخابي لهذه الفئة محدوداً من الناحية العددية، مع بقاء الاختيارات السياسية لأفرادها متنوعة وغير قابلة للاختزال في توجه حزبي واحد.
حضور تاريخي متنوع في الأحزاب
يؤكد التاريخ السياسي للمغرب أن المواطنين المغاربة اليهود شاركوا، في مراحل مختلفة، في الحياة الحزبية والانتخابية، واختاروا مواقع سياسية متعددة، سواء داخل أحزاب المعارضة أو الأحزاب المشاركة في تدبير الشأن العام.
ففي انتخابات سنة 2021، جدد جاكي كادوش، رئيس الطائفة اليهودية المغربية بمراكش، دعمه لحزب التجمع الوطني للأحرار، الذي كان قد انضم إليه منذ تأسيسه أحمد عصمان، فيما دعم المواطن المغربي سيمون سكيرا حزب الأصالة والمعاصرة وترشح باسمه في السنة نفسها.
ويبرز حزب التقدم والاشتراكية، الذي حمل في بداياته اسم الحزب الشيوعي المغربي، باعتباره أحد الأحزاب التي استقطبت عدداً مهماً من المواطنين المغاربة اليهود، سواء على مستوى العضوية أو القيادة.
ومن أبرز الأسماء التي ارتبطت بهذا المسار شمعون ليفي، وأبراهام السرفاتي، وإدمون عمران المالح، الذين دافعوا، كل من موقعه، عن قضايا مرتبطة باستقلال المغرب والتحول الديمقراطي.
وكان شمعون ليفي من أبرز قيادات الحزب، فيما اختار إدمون عمران المالح التفرغ للعمل الثقافي والأدبي، بينما أسس أبراهام السرفاتي حركة “إلى الأمام”، التي ضمت مغاربة من أصول وأسر مسلمة ويهودية.
كما عرف ما كان يسمى بـ”اليسار الجديد” حضوراً لمواطنين مغاربة يهود، من بينهم سيون أسيدون، الذي ظل حاضراً في النقاش السياسي والعمومي المغربي إلى أن توفي سنة 2025.
المشاركة لم تقتصر على تيار سياسي واحد
لم يقتصر حضور المغاربة اليهود في الحياة السياسية على تيار بعينه، بل امتد إلى أحزاب صغيرة وتجارب سياسية مختلفة.
ومن بين الأمثلة على ذلك مشاركة ماغي كاكون، المولودة بمراكش، في الاستحقاقات الانتخابية سنتي 2007 و2011 باسم حزب الوسط الاجتماعي، فيما كان جوزيف ليفي، وهو مغربي يهودي، يشغل منصب نائب الأمين العام للحزب.
كما ترشح دانيل بنسباط سنة 2016 باسم الحركة الديمقراطية الاجتماعية، في مشهد يعكس بدوره تنوع الاختيارات السياسية للمواطنين المغاربة اليهود.
وبموازاة الحضور الحزبي، برزت شخصيات يهودية مغربية مستقلة تبنت مواقف نقدية من الحياة السياسية، من بينها جاكوب كوهين، المولود بمكناس، والذي اشتغل في مجال التدريس الجامعي وخصص جانباً مهماً من كتاباته للمغرب.
ووصل عدد من المواطنين المغاربة اليهود إلى البرلمان، من بينهم رجل الأعمال سيمون ليفي، الرئيس الراحل للطائفة اليهودية بأكادير، الذي كان عضواً في حزب الاتحاد الدستوري وانتخب باسمه في مجلس المستشارين.
كما امتد حضور المغاربة اليهود إلى مواقع تنفيذية واستشارية، من بينها المستشار الملكي أندري أزولاي، فضلاً عن دافيد بن زاكين الذي تولى وزارة البريد، وسيرج بيرديغو الذي تولى وزارة السياحة قبل أن يشغل منصب السفير المتجول للمغرب.
السياسة شأن فردي
ويقدم النقاش الذي رافق انتخابات 8 شتنبر 2021 مثالاً واضحاً على أهمية الفصل بين الموقف الفردي والموقف المؤسساتي.
فبالتزامن مع حلول رأس السنة العبرية في موعد الانتخابات، طالب رئيس إحدى الطوائف اليهودية بتأجيل الاستحقاق الانتخابي لمدة يومين، قبل أن يؤكد الأمين العام لمجلس الطوائف اليهودية المغربية آنذاك أن الأمر يتعلق بطلب فردي، مشدداً على أن المواطنين اليهود المغاربة مواطنون مثل باقي المواطنين، وأن بإمكانهم ممارسة واجبهم الانتخابي.
ومع تجدد الاستحقاقات الوطنية، يعود النقاش مجدداً حول طبيعة السلوك الانتخابي للمواطنين المغاربة اليهود، غير أن التجربة التاريخية تؤكد تعدد توجهاتهم السياسية واختياراتهم الحزبية، وعدم إمكانية اختزالها في موقف واحد باسم الطائفة.
وفي هذا السياق، تظل مقولة السياسي المغربي الراحل شمعون ليفي معبرة عن هذا الفصل بين الانتماء الديني والممارسة السياسية، إذ كان يؤكد أن اليهود في المغرب يختلفون عن باقي المغاربة في الدين، بينما يظل ما هو غير ديني شأناً وطنياً لا ينبغي للجماعة اليهودية أن تتدخل فيه.
وبذلك، فإن أي موقف انتخابي يصدر عن مواطن مغربي يهودي ينبغي التعامل معه باعتباره تعبيراً عن اختيار صاحبه، لا باعتباره بالضرورة موقفاً جماعياً يمثل الطائفة اليهودية المغربية بمختلف مكوناتها وتوجهاتها.